الشيخ محمد رشيد رضا

129

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

على محاولة الانتقام بأيديهم إذا قدروا ، فيزيد البلاء ، ويكثر الاعتداء ، أو يعيش الناس في تباغض وعداء ، وفوضى تستباح فيها الدماء . وعبارة الآية تشعر بان اللّه تعالى يحب من عباده العفو ولذلك فرض اتباع العفو وان لم يكن تاما متفقا عليه من جميع أولياء الدم كالآباء والأبناء والاخوة ، فان عفا بعضهم يرجح جانبه على الآخرين كما يدل عليه تنكير شيء في قوله ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ) فقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن « شيء » هنا نائب عن المصدر أي عفى له شيء من العفو بان ناله بعضه ممن لهم المطالبة به ، ويؤيد هذا ويؤكده التعبير عن العافي بلفظ الأخ الذي يحرك عاطفة الرحمة والحنان ، وهو كما قال المفسرون يؤذن بان القتل لا يقتضي الارتداد عن الاسلام وقطع اخوة الايمان ، الا إذا استحله فاعله ومن مباحث اللفظ هنا ان بعض المفسرين أشكل عليهم استعمال عفي متعدية باللام وزعموا أنها بمعنى ترك قال البيضاوي تبعا للكشاف : وهو ضعيف إذ لم يثبت عفا الشيء بمعني تركه بل أعفاه ، وعفا يعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب قال اللّه تعالى ( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ ) وقال ( عَفَا اللَّهُ عَنْها ) فإذا عدي به إلى الذنب عدي إلى الجاني باللام وعليه ما في الآية كأنه قيل : فمن عفي له عن جنايته من جهة أخيه يعني ولي الدم ولما كان العفو عن القصاص يتضمن الرضى باخذ الدية قال تعالى فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ أي من ناله شيء من هذا العفو فالواجب في شأنه أو قضيته تنفيذ العفو وثبوت الدية ، وعبر عن الأول باتباع العفو بالمعروف ، وهو واجب على الامام الحاكم وعلى العافي وغيره من الأولياء ، وان لم يعفوا فعليهم ان لا يرهقوا القاتل من امره عسرا ، بل يطلبون منه الدية بالرفق والمعروف الذي لا يستنكره الناس ، وعبر عن الثاني بالأداء اليه باحسان ، وهو واجب على القاتل بان لا يمطل ولا ينقص ولا يسئ في صفة الأداء . ويجوز العفو عن الدية أيضا كما في قوله تعالى في سورة النساء ( 46 : 92 وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ) هذا هو الظاهر في الآية فلا حاجة إلى ذكر ما قالوه من احتمال غيره ويؤكد رغبة الشارع في العفو امتنانه علينا بإجازته ووعيده لمن اعتدى ، « تفسير المنار » « 17 » « الجزء الثاني »